الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

274

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فعل السؤال عن متعلّقه اختصارا لما دل عليه ما بعده ، أي سلهم عن حالهم في شكر نعمة اللّه ، فبذلك حصل التقريع . ويكون كَمْ آتَيْناهُمْ تدرجا في التقريع بقرينة وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ ، ولبعد كونها خبرية أنكره أبو حيان على صاحب « الكشاف » وقال إنه يفضي إلى اقتطاع الجملة التي فيها كَمْ عن جملة السؤال مع أن المقصود السؤال عن النعم . و مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ تمييز ( كم ) دخلت عليه من التي ينتصب تمييز كم الاستفهاميّة على معناها والتي يجر تمييز كم الخبرية بتقديرها ظهرت في بعض المواضع تصريحا بالمقدّر ، لأن كل حرف ينصب مضمرا يجوز ظهوره إلّا في مواضع مثل إضمار أن بعد حتى ، قال الرضي : إذا فصل بين كم الخبرية والاستفهامية وبين مميزهما بفعل متعد وجب جر التمييز بمن ( أي ظاهرة ) لئلا يلتبس التمييز بالمفعول نحو قوله تعالى : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [ الدخان : 25 ] و وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ [ القصص : 58 ] ا ه أي لئلا يلتبس بمفعول ذلك الفعل الفاصل ، أو هو للتنبيه من أول الأمر على أنه تمييز لا مفعول إغاثة لفهم السامع وذلك من بلاغة العرب ، وعندي أن موجب ظهور من في حالة الفصل هو بعد المميّز عن المميّز لا غير ، وقيل : ظهور ( من ) واجب مع الفصل بالفعل المتعدي ، وجائز مع الفصل بغيره ، كما تقل عبد الحكيم عن اليمني والتفتازانيّ في « شرحي الكشاف » . وفي « الكافية » أن ظهور ( من ) في مميز ( كم ) الخبرية والاستفهامية جائز هكذا أطلقه ابن الحاجب ، لكن الرضي قال إنه لم يعثر على شاهد عليه في ( كم ) الاستفهامية إلّا مع الفصل بالفعل وأما في كم الخبرية فظهور ( من ) موجود بكثرة بدون الفصل ، والظاهر أن ابن الحاجب لم يعبأ بخصوص الأمثلة التي ذكرها الرضي ، وإنما اعتد بظهور ( من ) في المميز وهو الظاهر . و ( الآية ) هنا المعجزة ودليل صدق الرسل ، أو الكلمات الدالة على مجيء محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإنها آية لموسى ؛ إذ أخبر بها قبل قرون ، وآية لمحمد عليه الصلاة والسلام ، إذ كان التبشير به قبل وجوده بقرون ، ووصفها بالبينة على الاحتمالين مبالغة في الصفة من فعل بان أي ظهر ، فيكون الظهور ظهور العيان على الوجه الأول ، وظهور الدلالة على الوجه الثاني ، وفي هذا السؤال وصيغته حذف دل عليه قوله : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ تقديره فبدّلوها ولم يعملوا بها . وقوله : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ تذييل لجملة سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ إلخ ، أفاد أأن المقصود أولا من هذا الوعيد هم بنو إسرائيل المتحدث عنهم بقوله : سَلْ بَنِي